شرح حديث "حُبِّبَ إليَّ مِن دُنيَاكُم النّسَاءُ والطّيْبُ وجُعِلَتْ قُرّةُ عَيني في الصّلاةِ"
الذي ءامَنَ باللهِ ورَسُولِهِ كمَا يجِبُ وأَدَّى الواجِبَاتِ واجتَنبَ المحَرَّماتِ لَما يصِيرُ بهذه الحالَةِ نَفسُه تتَعلَّقُ بالنّوافِل، تَصِيرُ العِبَاداتُ لهُ شَهوةً فيَصِيرُ عِندَئذٍ وَليًّا مِن أولياءِ اللهِ الذينَ أعَدَّ لهم في الجنّةِ مَا لم تَرَ عَينٌ ولا سمِعَت أُذُنٌ ولم يَخطُر على بالِ أحَد، أيْ نَعِيمٌ أخفَاهُ اللهُ لم يُطلِع علَيهِ الملائكةَ ولا غَيرَهم مِن خَلقِه. هيَ العِبَاداتُ على غَيرِ الوَليّ يتَكَلَّفُها المسلمُ تَكلُّفًا، يَقهَرُ نَفسَه علَيها، على أداءِ الواجِبَاتِ واجتِنَابِ المحَرّمَات. أمّا مَن صَارَ إلى هذه الدّرجَةِ أدّى الواجباتِ واجتنَبَ المحرّمَاتِ على التّمَام بعدَ ذلكَ تَصِيرُ لهُ العِبادَاتُ لَذَّةً.
عُثمانُ بنُ عَفّانَ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ خَتَم القُرءانَ وهوَ قَائِمٌ في ركعَةٍ واحِدَةٍ في لَيلَةٍ واحِدَةٍ. همُ الأولياءُ يَجِدُونَ لَذّةً وفرَحًا في العِباداتِ ولا سِيَّما الصّلاة. قُلُوبُهم يَحصُلُ لهم فيها فرَحٌ وانْشِرَاحٌ لا يجِدُونَها في غَيرِ تِلكَ الحَالة. الصّلاةُ تَكُونُ عندَهُم أَلَذُّ مِن كُلّ شَىءٍ، ولذلكَ قالَ الرّسولُ علَيه الصّلاةُ والسَّلامُ: "حُبِّبَ إليَّ مِن دُنيَاكُم النّسَاءُ والطّيْبُ وجُعِلَتْ قُرّةُ عَيني في الصّلاةِ" رَواُه الحاكمُ. مَعنَاهُ النّسَاءُ والطّيْبُ أَمِيلُ إلَيهِما مَيْلًا طَبِيعِيًّا مِن غَيرِ تعَلُّقٍ، أمّا الصّلاةُ فَهيَ قُرّةُ عَيْني مَعنَاهُ أَفْرَحُ بها أكثَرَ مِن كُلّ شَىءٍ، لذَلكَ كانَ الرّسولُ يَقُومُ اللّيلَ فيُصَلّي التَّهَجُّدَ ثم يَنامُ ثم يَقُومُ ثم يَنامُ ثم يُوقِظُه أذَانُ الفَجْرِ.
وكذلكَ عُثمَانُ بنُ عَفّان لما خَتَمَ القُرءانَ في ركعَةٍ واحِدَةٍ كانَ في القِيَام يُصَلّي رَكعَةَ الوِتْر خَتَمَه وذلكَ لِعُظْم مَا يَجِدُه مِنَ اللَّذَّةِ في القِيام وهو يَقرَأ كِتَابَ الله. في البِدَايَةِ الأولياءُ قَبلَ أنْ يَصِلُوا إلى الوِلايَةِ يتَكَلَّفُونَ العِبَادَاتِ، يُجَاهِدُونَ أَنفُسَهُم، يَقهَرُونَها قَهْرًا على أدَاءِ الواجِباتِ وتَرْكِ المعَاصِي، ثم بَعدَ أنْ يَصِلُوا إلى الولايةِ العِبادَاتُ تَكُونُ لهم لَذَّةً. أحَدُ أصحَابِ رَسُولِ اللهِ كانَ ذَهَب في غَزْوَةٍ للجِهَادِ إلى أرضٍ بَعِيدَةٍ وكانَ يَسكُنُ قَريَةً يُقَالُ لَها تَلْبِيسَة تَابِعَة لحِمْص فلَمّا قَدِمَ مِن غَزوَةِ الجِهادِ جَاءَ إلى بَيتِه فبَدأ يُصَلّي حتى طَلَع الفَجْرُ وهوَ قَائمٌ يَقرَأُ القُرءانَ في الصَّلاةِ، فقَالَت لهُ زَوجَتُه أَلَيسَ لنَا فيكَ حَقّ؟! قالَ: بلَى، ولَكنْ شغَلَني تَفَكُّرِي في القِراءَة، شُغِلَ بما يَمرُّ علَيهِ مِن ءاياتِ القُرءان ءايَاتُ القُرءانِ بَعضُها تَرغِيبٌ وبَعضُها تَرهِيبٌ، مَعنَاهُ انْشَغَل قَلبي بهذا عن الالتِفَاتِ إلَيك. وهَذا دَليلٌ على مَا يجِدُونَه مِنَ اللّذّةِ والاطمِئنَانِ والفَرح لَمّا يَكُونُونَ في الصّلاةِ. هُم عَادَتُهم يُطِيلُونَ القِراءةَ يَقرَأون في القيامِ قِراءَةً طَوِيلَةً وبهذا يجِدُونَ لَذّةً كَبِيرَةً تَسْرَحُ أَفكَارُهُم في مَيَادِينِ التّرغِيبِ والتّرهِيب التي هيَ قِسمٌ مِن ءاياتِ القُرءان.
Comments
Post a Comment